جلال الدين السيوطي
172
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
هزجا يحكّ ذراعه بذراعه * قدح المكبّ على الزناد الأحذم وقول أبي نواس في الكأس المصورة : قرارتها كسرى وفي جنباتها * مهى تدريها بالقسيّ الفوارس فللراح ما زرّت عليه جيوبها * وللماء ما دارت عليه القلانس وروى الخطيب عن علي بن القاسم الأديب الخوافي قال : حدثني بعض إخواني أنّه دخل على عمرو بن بحر الجاحظ ، فقال : يا أبا عثمان ، كيف حالك ؟ فقال له الجاحظ : سألتني عن الجملة فاسمعها واحدا واحدا . حالي أنّ الوزير يتكلّم برأيي ، وينفذ أمري ، ويواتر الخليفة الصلاة إليّ ، وآكل من لحم الطير أسمنها ، وألبس من الثياب ألينها ، وأجلس على ألين الطبري ، وأتكئ على هذا الريش ، ثمّ أصبر على هذا حتى يأتي الله بالفرج . فقال الرجل : الفرج ما أنت فيه . قال : بل أحبّ أن تكون الخلافة لي ، ويعمل محمد بن عبد الملك بأمري ، ويختلف إليّ ، فهذا هو الفرج . وروى الخطيب عن أبي العيناء ، قال : كان الجاحظ يأكل مع محمد بن عبد الملك الزيّات ، فجاءوا بفالوذجة ، فتولع محمد بالجاحظ ، وأمر أن يجعل من جهته ما رقّ من الجام ، فأسرع في الأكل ، فتنظّف ما بين يديه . فقال ابن الزيّات : تقشّعت سماؤك قبل سماء الناس . قال الجاحظ : لأنّ غيمها كان رقيقا . وعن أبي العيناء ، قال : كنت عند أبي دؤاد بعد قتل ابن الزيّات ، فجيء بالجاحظ مقيّدا ، فقال له ابن أبي دؤاد : ما تأويل هذه الآية : وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [ سورة هود ، آية 102 ] فقال : تلاوتها تأويلها ، أعزّ الله القاضي . فقال : جيئوا بحداد . فقال : أعزّ الله القاضي ، ليفكّ عني أو ليزيدني ؟ قال : بل ليفكّ عنك . فجيء بالحداد ، فغمزه بعض من أهل المجلس أن يعنّف بساق الجاحظ ، ويطيل أمره قليلا ، ففعل ، فلطمه الجاحظ ، فقال : اعمل عمل شهر في يوم ، وعمل يوم في ساعة ، وعمل ساعة في لحظة ، فإنّ الضرر على ساقي ، وليس بجذع ولا ساجة .